خـــالـــد قــبل الأســـــلام

 

         قال ابن عبد البر في الأستيعاب : كان أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت ألقبة والأعنة في الجاهلية ، فأما ألقبة فانهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزهون به الجيش ، وأما الأعنة فأنه كان يكون على خيل قريش في الحروب، وموقفه في غزوة احد يدل خبرته التامة بالحرب فقد كان على فرسان قريش مرابطاً فوق الجبل ومعه ابن عمه عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وانكسرت قريش وهو ثابت في مكانه يريد غرة من المسلمين الا ان خمسين من الرماة وعليهم عبد الله بن جبير الأنصاري كانوا في طريقه وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرهم أن لايفارقوا مكانهم ان ظفرت المسلمون أو انكسرت وإن يبقوا لينضحوا الخيل عنهم كي لا يأتي فرسان قريش من خلفهم لهذا لم يتمكن خالد من الهجوم خشية من الرماة لكنه لم ييأس مع أن قومه هربوا وتفرقوا في الصحراء وتخلت بنو عبد الدار عن اللواء وهم حماته حتى لم يجدوا من يحمله الاعبدهم صواباً كان عبداً لابي طلحة العبدري فعيرهم حسان بقوله :

 

 

فخرتــم بــاللواء وشـر فـــخر

لواء حين رد إلى صواب 

 

 

 

 

جعلتم فخركـم فيــه بـعـبـــد

وألأم مـن يـطـأ عـفر التراب

 

 

 

فقتل العبد ثم تناولته عمرة بنت علقمة الحارثية لأن الصحابة ما كانوا يقتلون النساء وذلك قول حسان :

 

 

فـلولا لـواء الحارثيـة اصبحوا

يباعون في الأسواق بيع الجلائب

 

 

           

         ولما كانت لله أرادة لابد من نفاذها وشاهد الرماة هذه الهزيمة ظنوا انقضاء المعركة فاولوا أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببقائهم في مكانهم مدة الحرب وهي قد انتهت تماماً حسب رأيهم وخالفوا رئيسهم الذي حذرهم عاقبة تركهم فتركوه ومعه نحو عشرة عندئذ هجم خالد على الرئيس ومن معه فقتلهم وتول المسلمين من خلفهم فاضطرب أمرهم وتحول النصر إلى هزيمة ولم يبق الا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب وطلحة وأبو دجانة وسعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأم عمارة ثم رجع اليهم المنهزمون وفي الحقيقة لم يبق الا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقاتل المشركين يومئذ وحده ، فقد نقل ابن الأثير في أسد الغابة أن علياً قال لما أشيع أن محمداً قد قتل فتشت عليه بين القتلى فلم أجده لان رسول الله لاينهزم فقلت قد غضب الله علينا ورفع نبيه إليه فلا خير في الحياة بعده فكسرت جفن سيفي ثم هجمت على قريش فأفرجوا لي فوجدت رسول الله وسطهم يقاتلهم وحده ويومئذ كسرت ثناياه وشج وجهه الشريف فالتحق به من ذكرنا وانتهت الواقعة بأن استشهد سبعون صحابياً وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب بعد أن كان المسلمون الغالبين .

وإن قريش التي نكبت يوم بدر الكبرى ورأت شدة بأس المسلمين وجاءت في أُحد هذه لأَخذ الثأر لاشك في أنها لم تسلم قيادة الفرسان وعليهم تدور معظم الحرب إلا لأعظم قائد لديها فروسية وتدبيراً ، فعملٌ خالد هذا بتغيير وضع الحرب من مغلوب إلى غالب يدل على أنه من أقدر القادة وأمهرهم في فنون الحرب والوصول إلى الهدف المقصود منها وهو الغلبة والظفر فلا عجب إذا صقله الأسلام بعد ذلك فأصبح سيفاً من سيوف الله المسلولة على اعداء الله .

         وكان خالد يوم الأحزاب هو الواقف في وجه المسلمين مع مئتي فارس حتى رحلت قريش بعد أن فقدت فارسهم عمرو بن عبد ود العامري الذي قتله علي بن أبي طالب بعد ماعبر الخندق وطلب المبارزة فلم يبرز إليه أحد وقد قاتل يوم بدر حتى أثخنته الجراح فجاء يوم الخندق معلماً ليرى مكانه وعير المسلمين بقوله :

 

 

وقد بححـت من الـــــــــنداء  

بـــجمعــكــم هــل مـن مـبـارز

 

 

 

 

ووقـفـت اذ جـبـن الـمشجــع

مـوقــف الــقرن الـمنـاجـــــز

 

 

        

         فلما قتله علي بن أبي طالب وكبر المسلمون لقتله قال ابن هشام : وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو وقتل نوفل بن عبد الله وهرب هبيرة بن ابي وهب زوج أم هاني بنت أبي طالب بعد ما رمى درعاً له وكان أشجع قريش وهرب ضرار بن الخطاب وخذلت قريش وتفرق شملها فذهبت هاربة وحفظ خالد قريش حتى بعدت وأمنت من أن يلحق بها المسلمون .

 

اســـــــلام خــــــالــــــد

 

          أسلم خالد بعد عمرة القضاء كما قاله ابن عبد البر وغيره بسبب أنه هرب من مكة حتى لايرى المسلمين يـؤدون عمرة القضاء وكان أخوه الوليد بن الوليد مسلماً فسأله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن خالد ثم قال: (( لو أتانا لاكرمنه ومن مثله سقط عليه الأسلام في عقله ؟ )) فكتب إليه الوليد ما يلي كما في الحلبية :

بسم الله الرحمن الرحيم

          أمابعد فأني لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الأسلام وقلة عقلك ومثل الاسلام هل يجهله أحد ؟ وقد سألني عنك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال أين خالد؟ فقلت يأتي الله به فقال : (( ما مثله يجهل الأسلام ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له ولقدّمناه على غيره )) فاستدرك يا أخي ما فات فقد فاتك مواطن صالحة له . 

         فأسلم خالد وقبل أن يهاجر وتفاوض في الاسلام مع ابن عمه عكرمة بن أبي جهل فصفوان بن أمية فرفضا ثم اتفق مع عثمان بن طلحة الجمحي فاسلما جميعاً سنة سبع من الهجرة ورواية ابن عساكر في صفر سنة ثمان من الهجرة ولم يباليا بهجو ابن الزبعري لهما كما في سيرة ابن هشام :

 

 

 

انشد عثمان بـن طلحة خـلفنا

وملقى نـعال القوم عند الــمقبل

 

 

 

 

وما عقد الآباءُ مــن كل حلفة

وما خالد من مـثلهـا بـمحـلل

 

 

 

 

امفتاح بيت غيــر بيتك تبتغي

وما تبتغي من مــجد بيت مؤثل

 

 

 

 

فلا تأمنن خالداً بعـد هــــذه

وعثمان جاء بالــدهيم المنصل

 

 

 

تسميته سيف الله

 

         أول حروبه في الأسلام مؤتة وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش زيد بن حارثة وقال إن أصيب فجعفر بن أبي طالب فأن أصيب فعبد الله بن رواحة وكان المسلمون ثلاثة آلاف حتى اذا كانوا بموقع يسمى مشارف من تخوم البلقاء أتتهم جيوش قيصر من روم وعرب فلما دنوا من العدو مالوا إلى قرية يقال لها ( مؤتة ) وبها سميت الغزوة فاستشهد زيد ثم جعفر بعد أن قطعت يداه وهو ماسك اللواء وذلك سبب تسميته بذي الجناحين لان الله أعاضه عنهما بجناحين في الجنة وطعن بضعاً وتسعين طعنة أو رمية كما رواه البخاري في صحيحه ثم استشهد عبد الله بن رواحة شاعر الأنصار فماتوا على ترتيب ماذكره رسول الله ( ص ) معجزة له فلما استشهد قادة المسلمين الثلاثة أخذ الراية ثابت ابن الأقرم اخو بني العجلان فقال يامعشر المسلمين اصطلحوا على واحد فقالوا : أنت فأبى ثم اصطلحوا على خالد بن الوليد ومن يومئذ سمي سيف الله .

روى البخاري في صحيحه عن أنس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم فقال ": أخذ الراية زيد فاصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم".

 

 

 

ج1 ج2  ج3