روايته للحديث

 

         كـــان خالداً مع تأخر إسلامه وانشغاله بالحرب لم يمنعه ذلك مــــن حــفظ كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقد نقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب أن ممن روى عن خالد ابن عباس وجابر بن عبد الله والمقدام بن معد يكرب وقيس بن أبي حازم والأشتر النخعي وعلقمة بن قيس وجبير وأبو العائلة وأبو وائل وغيرهم ولكن العدد الذي بقي من مروياته يسير جداً فقد قال الخزرجي في الخلاصة روى له ثمانية عشر حديثاً اتفق البخاري ومسلم على واحد وانفرد البخاري بحديث موقوف عليه له .

         وأما فقهه فأن نزاعه مع عمر في مسألة الغسول ومراجعة عمر واصراره يدل على فقهه ولذلك كان جوابه الأخير لعمر قوله :

 

 

سهل أبا حفص فأن لـــديننا

شرائع لايشقى بهن المسهـــل

 

 

 

 

انجست بالخمر الغسول ولاترى

من الخمر تثقيف المحيل المحلل

 

 

 

 

وهل يشبهن طعم الغسول وذوقه

حميا الخمور والخمور تســلسل

 

 

 

         يريد خالد أن الاستحالة مطهرة وان كان الأصل نجساً لأن نجاسة الخمر في الأسكار فإذا وضع في الغسول فقد زالت علة التنجس عند القائلين به وإذا انتفت العلة فقد انتفى المعلول على أن مذهب التطهير بالاستحالة قال به أكثر الأئمة بل نقل النووي في مجموعه أن ذلك وجه للشافعية وهم المشددون في عدم التطهير على أن طهارة الخمرة نفسها قال بها ربيعة شيخ مالك والمزني كما نقله القلبوبي على المنهاج عن الأسنوي ونقل النووي في المجموع أن داود قال بطهارتها أيضاً وان امام الحرمين والغزالي نقلا وجها للشافعية بطهارة الخمرة المحرمة وهي التي عصرت لا لأجل الأسكار وعلى هذا فالكحول طاهر وإن استخرج من المسكرات .

         وكان كريماً ويكفي برهانا على ذلك اعطاؤه عشرة آلاف درهم للاشعث بن قيس لما انتجعه حتى كانت سبب عزله .

         ووردت في فضله أحاديث كثيرة عقد البخاري في صحيحه فصلاً خاصاً لمناقبه وأورد في كنز العمال الكثير منها ويكفي أن رسول الله ( ص ) سماه سيف الله وقد سله الله على الكفار .

 

الوصية

         أما وصيته المادية فهي أمواله التي وقفها على الجهاد وجعل عمر بن الخطاب وصياً عليها فليست من الأهمية على جانب عظيم ، وأما وصيته المعنوية فإليك بعضها :

         روى ابن عبد البر في الأستيعاب قال : لما حضرت خالداً الوفاة قال لقد شهدت مائة زحف أو زهائها وما في جسدي موضع شبر الا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية ثم ها أنا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء.

         وروى ابن عساكر في تاريخه أن خالداً كان يقول : ما من ليلة يهدى إلى فيها عروس أنا لها محب وأبشر منها بغلام، أحب إلي من ليلة شديدة البرد ، كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو ، فعليكم بالجهاد.

         روى أيضاً أن خالداً قال : ما أدري أي يومي اقر لعيني هل يوم أراد الله أن يهدي لي فيه الشهادة ، أو يوم ارادا الله أن يهدي لي فيه بركة ؟

         وأورد ابن حجر العسقلاني في الأصابة : قال خالد لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي الا أن أموت على فراشي ، وما من عمل شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا مترس والسماء تهمل مطراً إلى صباح حتى نغير على الكفار و إذا مت فانظروا سلاحي وفرسي واجعلوهما عدة في سبيل الله .

         فتراه وهو على فراش الموت يحض المسلمين على الجهاد ويشوقهم اليه وكان آخر عمله أن وقف كل ما يملك على الجهاد في سبيل الله تعالى . بهذه الأعمال شادوا للاسلام مجده الرفيع وأقاموا معالم الدين محرروا الأمة العربية من رق واستعباد الفرس والروم وأعلوا شأنها حتى أصبحت سيدة العالم أجمع .

السلاله

         بعد وفاة خالد تزوج عمر بن الخطاب أمرأته كي يبقي أولاده تحت كنفه حتى لايضيعوا لانهم تحت وصايته وكان لخالد اربعة اولاد منهم عبد الرحمن والمهاجر وسلوكهما مختلف فعبد الرحمن أموي النزعة وهو أحد قادة معاوية بن أبي سفيان يوم صفين والمهاجر هاشمي المشرب وكان قائداً في جيش أمير المؤمنين علي بن ابي طالب الذين عليهم المعول في صفين أيضاً ، وبعد ذلك عين معاوية عبد الرحمن قائداً للصائفة وكان محبوباً لدى الشاميين حتى أنهم رشحوه لولاية العهد بعد معاوية فعزله ونصب مكانه سفيان بن عوف قائداً على الصائفة ثم أن ابن اثال المسيحي طبيب معاوية الخاص سقى عبد الرحمن السم فمات ومات المهاجر أيضاً وخلف ولده خالداً كاسم جده فعيره عروة بن الزبير بقوله له : اتدع ابن اثال يفني أوصال عمك بالشام وأنت في مكة مسبل أزارك وكان خالد الصغير على مذهب أبيه المهاجر هاشمي النزعة الا أنه أخذته الغيرة فاستعان بعبده نافع المعروف بالبسالة كسيده فجاء دمشق مستتراً ووقف بين الجامع ودار معاوية التي هي الآن سوق الصاغة حتى مر به الطبيب ابن أثال فقتله فهجم عليه الناس وتخلص منهم ثم قبض عليه فسجنه معاوية ثم بناء على تدخل بني مخزوم أطلق سراحه وأخذ منه الدية أثنتى عشر ألفاً نصف له ونصف لبيت المال ، لان ابن أثال لاوارث له وهو معاهد وبقيت عادة جارية يأخذ الملك نصف دية المعاهد حتى أبطلها عمر بن عبد العزيز وعاد خالد بن المهاجر إلى المدينة ولكن دار جده وضع يده عليها ابن عمه أيوب بن سلمة بن هشام المغيرة بصورة ارث وبما أنه ابن عم فالقاعدة الشرعية أن ابن العم لايرث الا بعد انقراض الأبناء والأخوة وهذا ما دعا المصعب الزبيري أن يقول بانقراض سلالة خالد ثم تبعه ابن الأثير والقلقشندي وغيرهما .

         وفاته ومحل دفنه

 

         توفي خالد في السنة الحادية والعشرين من الهجرة أي بعد طاعون عمواس الذي توفي فيه أبو عبيدة ولكن الشهر الذي توفي فيه غير معلوم وأنما قصارى ما تفيده بعض الروايات أنه عند رجوع عمر بن الخطاب من الحج وذلك يكون عادة في المحرم واختلفوا في محل دفنه فقيل بالمدينة وهو الصواب وقيل بحمص من البلاد الشامية وله هناك قبر معروف ومقام مشهور ولكن هذا قبر العلامة الكيميائي خالد بن يزيد بن معاوية وقد التبس على العامة من حيث اتفاق الأسم فسرى على بعض الخاصة الذين يجرفهم التيار. قال ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار :

          قبر خالد بن الوليد يقال أنه خارج حمص ولايصح وأنما هو خالد بن يزيد بن معاوية بقول جزم فان عمر بن الخطاب كان قد عزل خالداً عن حمص واشخصه إلى المدينة ووجد عليه بعد موته .

         وأما ابن عساكر الدمشقي فنقل القولين ، ومثله الشامي في تهذيب الأسماء ورجح حمصاً ، وأما الحافظ ابن حجر العسقلاني في الأصابة فقال : الا كثرون في حمص والراجح في المدينة والقول بوفاة خالد في حمص يستند على قول أبي زرعة الدمشقي الحمصي وحده وتبعه من بعده ولاسيما الشاميين منهم والتحقيق العلمي يدل على أنه توفي في المدينة المنورة وهـــــو الـمعقول لان عمر بعدما عزله لايمكن أن يتركه في غير المدينة وذلك شأنه مع جميع قادة الامة ووجهائها.

         وروى ابن عبد البر في الاستيعاب وابن عساكر ان عمر قال : رحم الله أبا سليمان كان على غير ما ظننا به . وقال في الاصابة في ترجمة لبابة الصغرى من رواية سيف بن عمر بعد ذكر عزل خالد واقامته في المدينة ثم قال فلما رأى عمر أنه زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به عزم على ان يوليه بعد ان يرجع من الحج فخرج معه خالد بن الوليد فاستسقى خارجاً من المدينة فقال احدروني إلى مهاجري فقدمت به أمه المدينة ومرضته حتى ثقل فلقي عمر لاقٍ وهو راجع من الحج فقال له ما الخبر ؟ فقال خالد للذي به، فطوى عمر ثلاثاً في لــــيلة واحــــدة فـــــأدركـــه حيـن قضـــى فــرق عليه واسترجع ورواية ابن عساكر تمثيل عمر بقول القائل :

 

 

 

أتبكي ما وصلت به الندامى

ولاتبكي فوارس كالجبال

 

 

 

 

أولئك أن بكيت أشد فقداً

من الأدهان والعكر الحلال

 

 

 

 

تمنى بعدهم قوم مداهم

فلم يدنوا لاسباب الكمال

 

 

 

         ولما خرجت جنازته ندبته أمه بقولها :

أنت خير من ألف ألف من الناس اذا ما كبت وجوه الرجال .

         فقال عمر : صدقت والله أنه لكذلك . وفي رواية : هل قامت النساء عن مثل خالد ؟

 

 

 

ج1ج2  ج3